الشنقيطي
365
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين . وجاءت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة . وقوله جل وعلا في الآيات المذكورة : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً بينه بقوله تعالى : إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) [ الإسراء : 23 - 24 ] لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى إيضاح معنى خفض الجناح ، وإضافته إلى الذل في سورة « الشعراء » وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة « منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز » . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * وَقَضى رَبُّكَ معناه : أمر وألزم ، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه . وقال الزمخشري : * وَقَضى رَبُّكَ أي أمر أمرا مقطوعا به . واختار أبو حيان في « البحر المحيط » أن إعراب قوله إِحْساناً أنه مصدر نائب عن فعله ؛ فهو بمعنى الأمر ، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف ؛ كقوله : وقوفا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل وقال الزمخشري في الكشاف : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا . أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا . قوله تعالى : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ( 28 ) [ 28 ] . الضمير في قوله عَنْهُمُ راجع إلى المذكورين قبله في قوله : وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [ الإسراء : 26 ] الآية . ومعنى الآية : إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئا لأنه ليس عندك . وإعراضك المذكور عنهم ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي رزق حلال ؛ كالفيء يرزقكه اللّه فتعطيهم منه فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ( 28 ) أي لينا لطيفا طيبا ؛ كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق ، ووعدهم بأن اللّه إذا يسر من فضله رزقا أنك تعطيهم منه . وهذا تعليم عظيم من اللّه لنبيه لمكارم الأخلاق ، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء ؛ لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح . وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، صرح به اللّه جل وعلا في سورة « البقرة » في قوله : * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً [ البقرة : 263 ] الآية ، ولقد أجاد من قال :